عبد الوهاب الشعراني

582

اليواقيت والجواهر في بيان عقائد الأكابر ( وفي الحاشية الكبريت الأحمر )

الأفعال الإنسانية صادرة عنه لوجود صورته فإذا بطلت صورته عن مادته وعادت المادة إلى أصولها من العناصر فقد بطل الإنسان بعينه ثم إذا خلفت في تلك المادة بعينها صورة إنسان جديد حدث منها إنسان آخر لا ذلك الإنسان الأول فإن الموجود في الثاني من ذلك الأول مو مادته لا صورته فلا يكون هو محمودا ولا مذموما ولا مستحقا لثواب أو عقاب بمادته بل بصورته وبأنه إنسان من تراب فيكون الإنسان المثاب والمعاقب ليس هو الإنسان المحسن المسئ بل إنسان آخر مشارك في مادته وربما استشهد الفلاسفة على ذلك بقوله تعالى نَحْنُ قَدَّرْنا بَيْنَكُمُ الْمَوْتَ وَما نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ ( 60 ) عَلى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي ما لا تَعْلَمُونَ ( 61 ) [ الواقعة : 60 ، 61 ] وقوله تعالى بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ [ يس : 81 ] وقالوا ومثل الشيء لا يكون عين ذلك الشيء هذا ما أورده ابن سينا في كتابه في « الميعاد » وقد أجاب عن ذلك الشيخ أبو طاهر رحمه اللّه بقوله أما قولهم ليس الإنسان إنسانا بمادته بل بصورته يريدون بالمادة جوهريته المركبة من الأخلاط ويسمونه الهيولي ويريدون الصورة معانيه المودعة فيه وهذه منهم دعوى لا برهان عليها بل الإنسان عند أهل البصائر هذا المجموع من الجسد والروح بما فيه من المعاني فإذا بطلت صورة جسده بالموت وزالت عنه المعاني بقبض روحه لا يسمى إنسانا فإذا جمعت هذه الأشياء إليه بالإعادة ثانيا كان هو ذلك الإنسان بعينه ، ألا ترى أن الجسد الفارغ من الروح والمعاني يسمى شبحا وجثة ولا يسمى إنسانا وكذلك الروح المجرد لا يسمى إنسانا وكذلك المعاني المختصة به من العلم والقدر والإرادة والسمع والبصر لا يسمى إنسانا بمجموعها ولا بتفاريقها على الانفراد لا عقلا ولا عرفا فعلى هذا قولهم الإنسان إنسان بصورته فقط كلام باطل بل الإنسان بجسده وروحه ومعانيه المختصة به إنسان : ألا ترى أنه يضاف بعضه إلى بعض في الخطاب فيقال له نفسك روحك جسدك قلبك علمك قدرتك وكذلك يضاف إليه جميع أعضائه فيقال رأسك يدك رجلك إلى آخرها فلو لا أن الإنسان مجموعها وإلا فمن كان المخاطب بكاف الخطاب من جميعها وقد أضيف الجميع إليه فعلى هذا الأصل يكون